ناريمان شوخة/ رام الله
بينما كنت أجلس وحيدة أتأمل ما آلت إليه الأمور، وأحتسي كوبا من القهوة الساخنة معانقا بخارها الدافئ جدران المطعم الباردة، كنت أتأمل هذا المطعم؛ "بيت الياسمين"، دمشقي المعمار؛ بيت عربي في وسطه نافورة ماء، وفي أرجائه أصص زرعت بأحن النباتات وأزكاها عطرا. والأرضية قطعة فنية خالصة، حلبية المنظر، تخطفك إلى حلب الشهباء لتتوه في أرجائها.
يوقظك فجأة صوت القباني يحاصر المكان وهو يردد: "ربما لم أضع حلب على خارطتي الشعرية وهذه إحدى أكبر خطاياي، ولكن حلب كانت دائما على خريطة عواطفي، وكانت تختبئ في شراييني كما يختبئ الكحل في العين السوداء". أجل يا شاعر المرأة فسورية في قلوبنا جميعا.
أتت صديقتي سميرة؛ تلك الفتاة السمراء ذات العيون اللوزية، وجلست معي على الطاولة نفسها، وكان لجمالها سحر غريب؛ يا إلهي ما أشد جمالها! ولم يكن ذنبها سوى أنها كانت جميلة، وقد يتحول الجمال إلى لعنة تطارد الجميلة؛ فخلال الحرب الشعواء اختطفتها مجموعة من المسلحين، واغتصبها عشرة رجال، وبيعت، وزوجت كرها، وعندما علمت أنها حامل، لاذت بالفرار. وبعد كل تلك المحن، لم تعد ترى البشر سوى وحوش تصنعها آلة الزمن المهترئة.
ها قد أتى زميلنا أحمد الذي مات كل أفراد أسرته؛ لحسن حظه كان في مهمة تصوير، ولم يكن في بيته عندما قصف ومات كل من فيه، وعندما علم بما حدث لعائلته أخذ يصور بيته المهدم وأشلاء عائلته حتى سقط أرضا في غمرة من الضحك الموجع. أحمد لم يعد كما كان قبلا؛ أصبح مشتتا مشردا كما بلاده!
ويكتمل عددنا بكائن عفوي؛ سلوى الصغيرة، صديقة أختي، كانت شاحبة اللون هذه المرة بطريقة مخيفة، ترتدي ثوب الإعدادية، وتعانق بين أناملها زهور الياسمين ملطخة باللون الأحمر، تركض خوفا كأنما خلفها وحش يطاردها، وبدأ الكل ينظر إليها وكأننا في مشهد من فيلم درامي يعرض أمامنا.
نحن كالعادة لا نجيد أن نكون سوى الجمهور المتفرج على مسرح الحرب. كانت سلوى تطلب النجدة بشفاه مرتجفة، وقلبها يحاول النبض للبقاء والاستمرار على هذه الأرض التي أصبحت مخيفة.
تسمرت سلوى وتوقفت شفاهها عن الحركة، وسقط منها الياسمين الأحمر، فلحقت به أرضا، كانت رصاصة قد اخترقت قلبها الصغير المرتجف، والجميع أخذ ينظر بنهم إلى ما حدث.
لا شيء سوى أنه كان المشهد ما قبل الأخير بالنسبة إلينا، والآن حان موعد المشهد الأخير... نحن الآن تحت الركام مع سلوى، تم استهدافنا بالبراميل المتفجرة، ولاشيء سوى أن المتفرج من الطبيعي أن يصبح ضحية مع الوقت.
للأسف لقد عشت من جديد، كنت الناجية الوحيدة! الموت لم يحببني بعد، أو أنني عشت لأموت مجددا بطريقة أخرى، أو لأستمر في الحياة الميتة!
أبحث عن ركام بيت يأويني، عن خيمة أختبئ بها، عن عنوان يليق بي، عن حلم لا يتلاشى لمجرد أنني حلمت به. أنا لا أخاف من التشرد ولا من الجوع والبرد. ولا تخافوا أنتم؛ فالمطر والفقر والرياح والضياع لا يؤذي؛ من يؤذي هو ذاك القريب الذي يدعى "سلطان".
أجلس الآن على ركام المطعم الذي خسرت آخر ما تبقى لي فيه أنظر إلى خارطة سورية. ولم يعد المشهد ما قبل الأخير يفارق عيني، كانت سلوى كما سورية تهرب وتهرب ويلاحقها الموت بشراسة. فقدت سورية لمعة عينيها ورائحة شعرها المنساب وابتسامتها الرقيقة... لم تعد سورية الفتاة الجميلة.
المشهد ما قبل "قبل الأخير"، رائحة الياسمين استنشقتها من سلوى وهي تجلس بجانبي–كما كان من المفترض!